ميار عكفي

المصطلح التنظيمي وحدوده: كيف تُنتج اللغة فجوات غير مرئية في الحوكمة

تُبنى الحوكمة على الافتراض بأن اللغة محايدة، وأن المصطلحات التنظيمية تحمل معناها بذاتها أينما وُجدت. هذا الافتراض، على بساطته، هو أحد أكثر الافتراضات خطورة في البيئات المعقّدة. فالكلمة في وثيقة تنظيمية لا تؤدي وظيفة لغوية فقط، بل تُنشئ واقعًا تشغيليًا، وتُحدد أدوارًا، وتفتح أو تُغلق مساحات وصول، وتُرسم على أساسها مسارات امتثال كاملة.

عندما تُكتب الضوابط، تُصاغ المصطلحات بعناية لتكون عامة وشاملة. هذا الاتساع يمنحها القابلية للتطبيق عبر قطاعات متعددة، لكنه في الوقت ذاته يجرّدها من السياق. وهنا تبدأ الإشكالية: المصطلح الذي يبدو واضحًا على الورق، يصبح غامضًا عند ملامسته لواقع لا يشبه البيئة التي كُتب لأجلها.

مصطلحات مثل “المستفيد” أو “المستخدم” أو “الطرف المعني” تُستدعى كثيرًا في الأطر السيبرانية بوصفها مسلمات. غير أن هذه المسلمات تنهار حين ننتقل من بيئات خدمية مفتوحة إلى بيئات داخلية مغلقة، حيث لا توجد علاقة “خدمة” بالمعنى التقليدي، ولا يوجد طرف يتلقى قيمة، بل منظومة متكاملة من الأدوار المتداخلة، لكل منها مستوى مختلف من الثقة والمسؤولية.

في هذه البيئات، يصبح السؤال الجوهري ليس: من هو المستخدم؟ بل: أي دور يؤديه هذا الكيان داخل المنظومة؟ هل هو صاحب قرار، أم منفذ، أم ناقل، أم نقطة عبور؟ اللغة العامة لا تجيب عن هذه الأسئلة، لكنها تُستخدم رغم ذلك كأساس لبناء الضوابط، فينشأ امتثال يعتمد على ملاءمة الواقع للمصطلح، لا على ملاءمة المصطلح للواقع.

هذا الخلل لا يظهر مباشرة. فلا يحدث كخرق واضح، ولا كمخالفة صريحة. بل يظهر في صورة التباس متراكم. كل إجراء يبدو صحيحًا في حد ذاته، وكل تفسير يبدو معقولًا في سياقه، لكن النتيجة النهائية هي منظومة امتثال يصعب تفسيرها، ويصعب الدفاع عنها، ويصعب تطويرها. الامتثال هنا موجود، لكنه هش؛ قائم على توافق لغوي أكثر من كونه قائمًا على فهم تشغيلي.

الأخطر من ذلك أن المصطلحات غير المنضبطة تُستخدم لاحقًا كأساس للتقييم والمساءلة. يُطلب إثبات أن “المستفيد” قد مُنح الصلاحيات المناسبة، أو أن “المستخدم” قد خضع للضوابط المطلوبة، دون أن يكون هناك اتفاق واضح على من تنطبق عليه هذه الصفات أصلًا. وهنا، تتحول الحوكمة من أداة ضبط إلى أداة إجهاد تنظيمي، تُستنزف فيها الجهود لتبرير التعريفات بدلًا من تحسين الممارسات.

في البيئات ذات الحساسية العالية، تتضاعف خطورة هذا الخلل. فالكلمة الواحدة قد تُترجم إلى صلاحية واسعة أو قيد صارم، وقد يُبنى عليها إجراء يؤثر في سلسلة تشغيل كاملة. وعندما لا يكون المصطلح منضبطًا، يصبح التطبيق عرضة لاجتهادات فردية، تختلف باختلاف الفرق، أو الإدارات، أو حتى الأفراد. ومع مرور الوقت، تتباين الممارسات داخل الجهة الواحدة، رغم استنادها إلى الضابط نفسه.

إعادة ضبط المصطلحات لا تعني إعادة كتابة الأطر التنظيمية، ولا الدعوة إلى تفكيك النصوص المعتمدة، بل تعني إدخال طبقة وعي إضافية بين النص والتطبيق. طبقة تسأل: كيف يُفهم هذا المصطلح داخل هذا السياق تحديدًا؟ وما الذي يعنيه عمليًا عند تصميم الأنظمة، وتحديد الصلاحيات، وبناء أدلة الامتثال؟

اللغة، في هذا السياق، ليست أداة شرح، بل أداة حوكمة. وكلما كانت المصطلحات أوضح في سياقها، كان الامتثال أكثر اتساقًا، وأكثر قابلية للتطوير، وأكثر قدرة على الصمود أمام التغير. أما حين تُترك اللغة دون مساءلة، فإنها تتحول إلى نقطة ضعف صامتة، لا تظهر في التقارير، لكنها تؤثر في كل ما يُبنى عليها.

 

في النهاية، لا يكمن النضج التنظيمي فقط في إضافة ضوابط جديدة، بل في إعادة النظر في المفاهيم التي تقوم عليها تلك الضوابط. فالحوكمة التي لا تُراجع لغتها، تظل حوكمة ناقصة، مهما بدت مكتملة على الورق.

اترك تعليقًا يُثري التدوينة