ميار عكفي

في زمن التحوّلات المتسارعة: ماذا يعني أن تكون مختص أمن سيبراني؟

في أوقات الاستقرار، يمكن النظر إلى الأمن السيبراني بوصفه منظومة واضحة المعالم، تُدار عبر ضوابط محددة، وإجراءات موثقة، ومسارات عمل قابلة للتكرار.

يبدو كل شيء حينها منظمًا بما يكفي، ويُخيّل أن الإطار — بما يحمله من سياسات وضوابط — قادر على احتواء ما قد يطرأ. لكن مع تسارع التحوّلات في العالم، يتغير هذا التصور بهدوء… ثم يُعاد تشكيله.

لم يعد الأمن السيبراني محصورًا في حماية الأنظمة فقط، بل أصبح جزءًا من مشهد أوسع، تتداخل فيه المعلومات، وتتسارع فيه الأحداث،وتتشابك فيه التفسيرات مع الوقائع.

في هذا السياق، لا يظهر الخطر دائمًا في صورة تقنية صريحة، بل قد يبدأ بإشارة غير مكتملة، أو محتوى يبدو موثوقًا، أو قرار يُتخذ في لحظة تحتاج إلى حسم أكثر مما تحتمل من تحقق.

وهنا، يتغير موقع المختص.

لم يعد دوره مقتصرًا على مراقبة الأنظمة أو تطبيق الضوابط، بل أصبح معنيًا بفهم كيف تتحرك المعلومات، وكيف يمكن أن تتحول — في لحظة — إلى نقطة تأثير تتجاوز بعدها التقني.

في بيئات كهذه، تبقى الضوابط ضرورية… لكنها لا تكفي وحدها. لأن الضابط بطبيعته ينظم السلوك، لكنه لا يفسر السياق، ولا يحدّ من الاستعجال، ولا يعالج التفاعل البشري مع ما يبدو ملحًا أو مهمًا.

وهنا يظهر ذلك البُعد الذي لا يُكتب في الوثائق: أن الأمن لا يتحقق فقط بما نمنعه، بل بما نفهمه قبل أن يتحول إلى خطر.

في زمن تتكاثر فيه الإشارات، لا يكون التحدي في رصدها، بل في تفسيرها. وهذا ما يضع على مختص الحوكمة والأمن السيبراني مسؤولية تتجاوز الإطار التقليدي لدوره:

أن يكون حلقة وصل بين ما هو تقني… وما هو إنساني،
بين الضابط كنص… والقرار كتطبيق،
بين الإطار كتنظيم… والسياق كواقع متغير.

في هذه اللحظة، لا يكفي أن نقول: “لدينا ضوابط”، بل يصبح من الضروري أن نسأل: هل هذه الضوابط مفهومة؟ هل يمكن تطبيقها في لحظة ضغط؟ وهل من يستخدمها يدرك الغاية منها، لا شكلها فقط؟

لأن كثيرًا من المخاطر لا تتجاوز الأنظمة، بل تمر من خلالها… دون أن تُفهم.

ومع تسارع الأحداث، قد لا يكون الفارق بين الأمان والخطر في وجود الحماية، بل في توقيت القرار، وفي القدرة على قراءة اللحظة بما يتجاوز ظاهرها.

وهنا، يتضح أن دور المختص لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح دورًا يتطلب وعيًا بالسياق، وفهمًا للسلوك، وقدرة على التقدير حين لا تكون الصورة مكتملة.

في النهاية،
لا يُقاس نضج الأمن السيبراني بمدى إحكام الضوابط، بل بمدى نضج من يديرها.

وحين تتعقد المشاهد، لا يكون السؤال: هل نملك ما يكفي من الضوابط؟

بل: هل نملك من الفهم ما يكفي لاستخدامها… في الوقت الذي تحتاج فيه إلى أن تُستخدم؟

 

اترك تعليقًا يُثري التدوينة