ميار عكفي

في خضمّ الأزمات: الأمن السيبراني بين الحوكمة ووعي المجتمع

في أوقات الهدوء، يبدو الأمن السيبراني وكأنه منظومة مكتملة، تعمل بصمت، وتقاس فعاليتها بما لا يحدث:
لا اختراقات تُذكر، ولا حوادث تُعلن، ولا ضجيج يتجاوز حدود الفرق التقنية.

تبدو الضوابط حينها كافية، وتبدو السياسات مستقرة، ويخيّل أن الإطار قد أُحكم بما يكفي لاحتواء ما قد يطرأ. لكن هذا التصور — على هدوئه — لا يُختبر إلا في لحظة اضطراب.

مع أول أزمة، يتغير الإيقاع، تتسارع الأخبار، تتكاثر المصادر، وتتشتت الروايات، حتى يصبح الوصول إلى المعلومة أقرب إلى محاولة الإمساك بشيء يتشكل ويتبدد في آنٍ واحد.

في هذا السياق، لا تحتاج التهديدات إلى تعقيد تقني لتظهر، بل يكفيها أن تتخفى في هيئة مألوفة: رسالة تبدو عاجلة، رابط يحمل وعدًا بالسبق، أو محتوى يستدعي التفاعل قبل التحقق. وهنا، يتحول مسار الخطر.

فبدل أن يبدأ من ثغرة في نظام، يبدأ من لحظة بشرية؛ من قرار صغير، يبدو في ظاهره عابرًا، لكنه — في سياق مضطرب — قد يكون نقطة دخول لما هو أكبر.

في مثل هذه اللحظات، يتراجع الاعتماد على الأدوات وحدها، ويظهر بوضوح ذلك البعد الذي لا يمكن تعويضه:
كيف يفهم الإنسان ما يراه؟
وكيف يفسر ما يقرأ؟
وكيف يوازن بين حاجته للمعرفة… وحاجته للتحقق؟

التصيد، في هذا الإطار، لا يبدو كتهديد تقني بقدر ما يبدو كخطاب محكم، يراهن لا على ضعف الأنظمة، بل على طبيعة الاستجابة البشرية في بيئة يغلب عليها الاستعجال.

فكلما زادت الضوضاء، قلت المسافة بين الفعل ورد الفعل، وأصبح التقدير السريع بديلًا عن التحقق المتأني.

وهنا يبرز السؤال:
هل تكفي الضوابط وحدها؟

من حيث المبدأ، قد تبدو الإجابة مطمئنة: الإطار موجود، الضوابط محددة، والإجراءات موثقة.
لكن الضابط — مهما بلغت دقته — لا يعمل بذاته، بل يمر عبر فهم يفعّله، وسياق يوجهه، وقرار يطبقه. وإذا اختل هذا المسار، فإن اكتمال الضابط لا يمنع الخطأ… بل قد يجعله أكثر خفاءً.

في المقابل، لا يمكن الركون إلى الوعي وحده؛ فالوعي، حين لا يستند إلى إطار منظم، قد يتحول إلى تقديرات فردية، متفاوتة، ومفتوحة على احتمالات متعددة.

وهنا تتضح العلاقة التي كثيرًا ما يُساء فهمها: ليست الحوكمة بديلًا عن الوعي، ولا الوعي كافيًا دون الحوكمة،
بل هما مستويان متداخلان؛ أحدهما ينظم، والآخر يُفعل، ولا يستقيم أحدهما دون الآخر.

في أوقات الأزمات، تتكثف هذه العلاقة؛ تُختبر القرارات في زمن أقصر، وتصبح النتائج أكثر مباشرة، ويُعاد تعريف “الخطأ البسيط” بوصفه نقطة تحول محتملة.

وفي هذا السياق، لا يكون التحدي في امتلاك الضوابط، بل في القدرة على استخدامها في اللحظة التي تقتضيها، وبالطريقة التي تتناسب مع طبيعة الموقف.  لأن الأمن، في جوهره، لا يتحقق بكثرة ما نملك، بل بعمق ما نفهم.

وحين تتسارع الأحداث، لا يكفي أن نسأل: هل لدينا ما يحمينا؟ بل ينبغي أن نسأل: هل نُدرك متى… وكيف… ولماذا نستخدمه؟

 

اترك تعليقًا يُثري التدوينة